اذكـآر وأدعيـة   دعاء من أصابته مصيبة   .. ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول كما أمره الله إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها إلا أخلف الله له خيراً منها (رواه مسلم632/2)   دعاء الهم والحزن    .. ما أصاب عبداُ هم و لا حزن فقال : اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماضِ في حكمك ، عدل في قضاؤك أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ، ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي " . إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدله مكانه فرحاً رواه أحمد وصححها لألباني.لكلم الطيب ص74 اللهم إني أعوذ بك من الهم والخزن ، والعجز والكسل والبخل والجبن ، وضلع الدين وغلبة الرجال ". كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من هذا الدعاء   دعاء الغضب    .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم رواة مسلم .2015/4   دعاء الكرب    .. لاإله إلا الله العظيم الحليم ، لاإله إلا الله رب العرش العظيم ، لاإله إلا الله رب السموات ورب العرش الكريم متفق عليه قال صلى الله عليه وسلم دعاء المكروب : اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين ِ وأصلح لي شأني كله لاإله إلا أنت الله ، الله ربي لاأشرك به شيئاً صحيح . صحيح سنن ابن ماجه(959/3) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" دعوة النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت :" لاإله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها رجل مسلم في شئ قط إلا استجاب الله له . صحيح .صحيح الترمذي 168/3   دعاء الفزع    .. لا إله إلا الله متفق عليه   ما يقول ويفعل من أذنب ذنباً    .. ما من عبد يذنب ذنباً فيتوضأ فيحسن الطهور ، ثم يقوم فيصلي ركعتين ، ثم يستغفر الله لذلك الذنب إلا غُفر له صحيح صحيح الجامع 173/5   من استصعب عليه أمر    .. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً رواة ابن السني وصححه الحافظ . الأذكار للنووي ص 106   ما يقول ويفعل من أتاه أمر يسره أو يكرهه    .. كان رسول الله عليه وسلم إذا أتاه أمر ه قال :الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات و إذا أتاه أمر يكرهه قال : الحمد الله على كل حال صحيح صحيح الجامع 201/4 كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه أمر يسره أو يُسر به خر ساجداً شكراً لله تبارك وتعالى حسن . صحيح ابن ماجه 233/1)   مايقول عند التعجب والأمر السار    .. سبحان الله متفق عليه الله أكبر البخاري الفتح441/8   في الشيء يراه ويعجبه ويخاف عليه العين    .. إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة ، فإن العين حق صحيح. صحيح الجامع 212/1.سنن أبي داود286/1 . اللهم اكفنيهم بما شئت رواه مسلم 2300/4 حاب ، وهازم الأحزاب ، اهزمهم وانصرنا عليهم رواه مسلم 1363/3   دعاء صلاة الاستخارة    .. قال جابر بن عبدالله رضي الله عنهما : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يُعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمُنا السورة من القرآن ، يقول : إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ، ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك ، و أ ستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدِرُ ولا أقدِرُ ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -يسمي حاجته - خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال : عاجلة و اجله - فاقدره لي ويسره لي ، ثم بارك لي فيه ، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال : عاجله و أجله - فاصرفه عني واصرفني عنه ، واقدر لي الخير حيث كان ، ثم أرضني به رواه البخاري146/8   كفارة المجلس    .. من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه ؟ فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك : " سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك . إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك . صحيح. صحيح الترمذي 153/3   دعاء القنوت    .. اللهم أهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت ، وتولني فيمن توليت ، وبارك لي فيما أعطيت ، وقني شر ما قضيت ، فإنك تقضي و لا يقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، تباركت ربنا وتعاليت صحيح. صحيح ابن ماجه 194/1 اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك " صحيح. صحيح ابن ماجه 194/1 اللهم إياك نعبد ، و لك نُصلي ونسجد ، وإليك نسعى ونحقدُ ، نرجُو رحمتك ، ونخشى عذابك ، إن عذابك بالكافرين ملحق ، اللهم إنا نستعينك ، ونستغفرك ، ونثني عليك الخير ، ولا نكفرك ، ونؤمن بك ونخضع لك ، ونخلع من يكفرك . وهذا موقف على عمر رضي الله عنه . إسناد صحيح . الأوراد171/2-428   مايقال للمتزوج بعد عقد النكاح    .. بارك الله لك ، وبارك عليك ، وجمع بينكما في خير صحيح. صحيح سنن أبي داود 400/2 اللهم بارك فيهما وبارك لهما في أبنائهما رواه الطبراني في الكبير وحسنه الألباني. آداب الزفاف ص77) على الخير والبركة وعلى خير طائر رواه البخاري 36/7 ( طائر : أي على أفضل حظ ونصيب ، وطائر الإنسان : نصيبه) ما يقول ويفعل المتزوج إذا دخلت على زوجته ليله الزفاف يأخذ بناصيتها ويقول : اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جلبت عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جُلبت عليه حسن . صحيح ابن ماجه 324/1   الدعاء قبل الجماع    .. لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال : بسم الله ، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ، فإنه يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبداً متفق عليه   الدعاء للمولود عند تحنيكه    .. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يؤتي بالصبيان فيدعو لهم بالبركة ويحنكهم صحيح . صحيح سنن أبي داود 961/3) (التحنيك : أن تمضغ التمر حتى يلين ، ثم تدلكه بحنك الصبي)   ما يعوذ به الأولاد    .. أعوذ بكلمات الله التامة ، من كل شيطان وهامه ، وكل عينِ لامه رواه البخاري الفتح 408/6   من أحس وجعاً في جسده    .. ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل : بسم الله ، ثلاثاً ، وقل سبع مرات : أعوذ بالله وقُدرته من شر ما أجد وأحاذر رواه مسلم1728/4   مايقال عند زيارة المريض ومايقرأ عليه لرقيته    .. لابأس طهور إن شاء الله رواه البخاري 118/4 اللهم اشف عبدك ينكأ لك عدواً ، أو يمشي لك إلى جنازة صحيح . صحيح سنن أبي داود 600/2 مامن عبد مسلم يعود مريضاً لم يحضر أجله فيقول سبعة مرات : أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عوفي صحيح . صحيح الترمذي 210/2 بسم الله أرقيك من كل شئ يؤذيك ، من شر كل نفس ، وعين حاسدة بسم الله أرقيك ، والله يشفيك صحيح . صحيح الترمذي 287/1 أذهب الباس ، رب الناس ، إشف وأنت الشافي لاشفاء إلا شفاء لايُغادر سقماُ رواه البخاري الفتح 131/10   تذكرة في فضل عيادة المريض    .. قال صلى الله عليه وسلم : إن المسلم إذا عاد أخاه لم يزل في خرفة الجنة صحيح. صحيح الترمذي 285/1 قيل ما خُرفة الجنة ؟ قال : جناها . وقال صلى الله عليه وسلم :" مامن مُسلم يعود مُسلماً غُدوة ، إلا صل عليه سبعون ألف ملكِ حتى يُمسي ، وإن عاده عشيةَ إلا صلى عليه سبعون ألف ملكِ حتى يُصبح وكان له خريف في الجنة صحيح . صحيح الترمذي 286/1   مايقول من يئس من حياته    .. اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق متفق عليه اللهم الرفيق الأعلى رواه مسلم1894/4   كراهية تمني الموت لضر نزل بالإنسان    .. لايدعون أحدكم بالموت لضر نزل به ولكن ليقل : اللهم أحيني ماكنت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي متفق عليه   من رأى مببتلى    .. من رأى مُبتلى فقال : الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به ، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً لم يُصبه ذلك البلاًء صحيح. صحيح الترمذي 153/3   تلقين المحتضر    .. قال صلى الله عليه وسلم : لقنوا موتاكم قول : لاإله إلا الله رواه مسلم 631/2 من كان آخر كلامه لاإله إلا الله دخل الجنة صحيح . صحيح سنن أبي داود 602/2   الدعاء عند إغماض الميت    .. اللهم اغفر ( لفلان) ورفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يارب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه رواه مسلم 634/2   مايقول من مات له ميت    .. مامن عبد تصيبه مصيبة فيقول :" إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مُصيبتي واخلف لي خيراً منها . إلا آجره الله تعالى في مصيبته وأخلف له خيراً منها رواه مسلم 632/2   الدعاء للميت في الصلاة عليه    .. اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نُزُله . ووسع مُدخلهُ . واغسله بالماء والثلج والبرد ، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، وأبدله داراً خيراً من داره ، وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ( ومن عذاب النار ) رواه مسلم 663/2 اللهم اغفر لحينا وميتنا ، وشاهدنا وغائبنا ، وصغيرنا وكبيرنا ، وذكرنا وأُنثانا ، اللهم من أحييته منا فأحييه على الإسلام ، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان ، اللهم لاتحرمنا أجره ولاتضلنا بعده صحيح. صحيح ابن ماجه 251/1 اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك ، وحبل جوارك فقه من فتنة القبر وعذاب النار ، أنت الغفور الرحيم صحيح . صحيح ابن ماجه 25/1 اللهم عبدك وابن عبدك وابن امتك إحتاج إلى رحمتك ، وأنت غني عن عذابه ، إن كان مُحسناً فزده في حسناته ، وإن كان مُسئاً فتجاوز عنه واه الحاكم ووافقه الذهبي . انظر أحكام الجنائز للألباني ص159   وإن كان الميت صبياً    .. اللهم أعذه من عذاب القبر حسن . أحكام الجنائز للألباني ص161. اللهم اجعله فرطاً وسلفاً ، وأجراً موقوف على الحسن - البخاري تعليقاً   عند ادخال الميت القبر    .. بسم الله وبالله ، وعلى ملة رسول الله ( أو على سُنة رسول الله ) صحيح. صحيح الترمذي 306/1   مايقال بعد الدفن    .. كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال :" استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل صحيح . صحيح سنن أبي داود 620/2   دعاء زيارة القبور    .. السلام عليكم أهل الديار ، من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المُستقدمين منا والمستأخرين وإنا ، أن شاء الله بكم للاحقون رواه مسلم 671/2   دعاء التعزية    .. إن لله ماأخذ وله ماأعطى . وكل شئ عنده بأجل مُسمى ...فلتصبر ولتحتسب متفق عليه

كيف نجد في القلب رقة عند تلاوة القرآن


 كيف نجد في القلب رقة عند تلاوة القرآن

بسم الله الرحمن الرحيم

كيف نجد في القلب رقة عند تلاوة القرآن
الحمد لله خالق الأكوان ، الرحيم الرحمن ،علم القرآن ، خلق الإنسان ، علمه البيان .
وأشهد أن لا إله إلا الله يعلم السر والإعلان ، صاحب الفضل والإنعام ،
عالج قلوب العباد بالقرآن ورفع قارئه في درجات الجنان.
وأشهد أن محمدا سيد ولد عدنان ، من أوتي جوامع الكلم ونطق بأفصح بيان،
صلى الله عليه وعلى آله والصحب الكرام.


وبعد
فالقرآن الكريم كتاب أنزله الله هدى للعالمين ، ورحمة للأمم أجمعين وسبيلا لعلاج قلوب الغافلين، فقوَّم به بعد الاعوجاج ، وهدي من بعد الضلال.
ولقد جعل الله لقراءته منزلة عظيمة ، وبين نبينا صلى الله عليه وسلم فضل ذلك في أحاديثه الكريمة، أحاول أن أقطف منها زهرة افتتاحا لمقالتي :
فعن أبي موسى الأشعري رضى الله عنه قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب ، ومثل المؤمن
الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو ، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن 
مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة لا ريح لها وطعمها مر ) متفق عليه


وحسبي أن قارئ هذه الأسطر من النوع الأول قد حقق أصل الإيمان ،
وما قصد بقراءته إلا وجه الرحيم الرحمن .
ولكن كم من سائل قد سأل : إني أقرأ القرآن ولا أجد له حلاوة ،
ولا زلت أجد في القلب قسوة وبداوة ، ويعلوه ظلمة وتحيطه غشاوة.

أقول : أخي -رحمني الله وإياك- هذه شكوى كثير من الإخوان ، والعلاج يسير
بتوفيق المنان ، ومعا نبدأ الخطوة الأولى نحو العلاج فأقول مستعينا بالله :

إن أردت أن تجد في القلب -عند تلاوة القرآن- رقة فحاول أن تخيم عليه بالحزن
والخوف من الله ، ولا يستخفنك حسن الصوت ، واستحضر معاني الآيات في قلبك
وابك عند تلاوتها
.
فيا من تشكو قسوة : ابك عند قراءة كلام ربك ، فإن في كلماته رقة وتأثيرا عظيماً ،
فكم من آية تتحدث عن العذاب ، وكم من آية تتوعد العصاة بشديد العقاب.

كم من آية تتحدث عن جلال الله ، كم من آية سبحت بك في ملكوت السماوات
والأرض ، وبينت أن ربك وسع كرسيُّه السماوات والأرض.

استحضر بقلبك مصيرك ، وتدبر ما في الآيات من عبرة ؛ لتسيل من عينيك العبرة
، فتحطم صخورا قد علت فوق قلبك ، فحجبت عنه نور ربك ، ولنا في سلفنا أسوة ، فانظر إليهم بعين الاقتداء :

- حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ :
لَمَّا قَدِمَ أَهْلُ الْيَمَنِ زَمَانَ أَبِي بَكْرٍ وَسَمِعُوا الْقُرْآنَ جَعَلُوا يَبْكُونَ ، قَالَ : فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : " هَكَذَا كُنَّا ثُمَّ قَسَتِ الْقُلُوبُ " ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَمَعْنَى قَوْلِهِ : قَسَتِ الْقُلُوبُ ، قَوِيَتْ وَاطْمَأَنَّتْ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى .
رقم الحديث: 72
1 : 33 (حديث موقوف).-


وهذا أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه صلى بالناس ذات ليلة
فقرأ سورة (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) (الليل:1) فلما بلغ (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى)
(الليل:14) خنقته العبرة ، فلم يستطع أن ينفذها ، فرجع حتى إذا بلغها
خنقته العبرة فلم يستطع أن ينفذها فقرأ سورة غيرها .


وكن -يا صاحب الشكوى- مع الآيات متفاعلا ، فمع آيات العذاب خوفا ،
ومع آيات الرحمة طلبا ورجاء

-وحديث حذيفة رضي الله عنه قال: " صليت مع النبي صلي الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة ثم مضي فقلت يصلي بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح وإذا مر بآية سؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ ، رواه مسلم بهذا اللفظ.-

هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم وقد غفر له
ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فكيف بنا نحن .

واعلم أن البكاء من شيم الأنبياء والصالحين ولا سيما عند تلاوة كلام رب العالمين قال تعالى:
(قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً) (الاسراء:107)

وقال تعالى : (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرائيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً) (مريم:58)

فعلاج قلبك أن تتدبر الآيات تدبرا حكيما حتى تبكي فيرق قلبك .
وللقائل أن يقول : إنني أقرأ ولا أستطيع بكاءا ، وأجد من ذلك عناءا ،
فأقول -رحمني الله وإياك- :

إن كل طريق يحتاج إلى مجاهدة حتى تصل إلى ماتريد ولقد قال العزيز الحميد:
(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69)

فإن كنت لاتستطيع بكاءا فتباكى ، أي حاول ولا تيأس ، بصدق نية وحسن توكل
على الله ، ولا تفهم من قولي أن تتصنع ما ليس فيك فتقع في شر وخيم من
رياء وحب محمدة ، فهذا قطعا غير مقصود ، وإنما أن تدرب نفسك في خلواتك
على استحضار المعاني والبكاء عليها ، وأبشرك بقول النبي صلى الله عليه وسلم :
( إنما العلم بالتعلم ، و الحلم بالتحلم ، و من يتحر الخير يعطه ، و من يتوق الشر يوقه )
الراوي:أبو هريرة المحدث:الألباني - المصدر:السلسلة الصحيحة- الصفحة أو الرقم:342 خلاصة حكم المحدث:
إسناده حسن أو قريب منه

فهذه المحاولات الصادقة في خشوعك أثناء القراءة ستؤتي ثمارها ولو بعد حين .


أما أدوات المحاولة الصادقة :

أن تُشرك القلب والعقل مع اللسان عند التلاوة ، بعدها ستجد للقرآن حلاوة.

قال الغزالي في الإحياء:
( وتلاوة القرآن حق تلاوته هو أن يشترك فيه العقل واللسان والقلب .
فحظ اللسان : تصحيح الأخطاء بالترتيل. وحظ العقل : تفسير المعاني .
وحظ القلب: الاتعاظ والتأثر بالانزجار والائتمار ، فاللسان يرتل ،
والعقل يترجم ، والقلب يتعظ .)

هذه خطوة على طريق علاج قلبك بالقرآن ، وإنني أسأل الله الرحيم الرحمن أن
يوجد في قلبي وقلوبكم رقة وخشية ، وأن يجعلنا من أهله وخاصته إنه ولي ذلك والقادر عليه

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


فضل التمسك بالسنة واهميته في زمن الفتن والشدائد


فضل التمسك بالسنة واهميته في زمن الفتن والشدائد

قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }النساء59


قال تعالى : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(3)، (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } سورة النساء، الآية 65.
عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " رواه الترمذي

تعريف السنة في الشرع :


السنة في الاصطلاح يعرفها أهل الحديث بأنها : كل ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة .
وعند الفقهاء يعنون بها : ما يقابل الواجب أو الفرض، بمعنى المستحب والمندوب، فهي كل ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم أو رغّب في فعله لا على سبيل الإلزام ، بل على سبيل الاستحباب والندب .
منزلتها إذا صحت من حيث السند - أي إذا تيقنا بأن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم - تكون بمنزلة القرآن من حيث الحكم .

السنة النبوية هي : كل ما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خُلقية أو خَلقية ،
والصدق فيها يتمثل بالإقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم واتباع سنته واقتفاء أفعاله وأقواله وجوباً وندباً وانتهاء عن نواهيه حرمة وكراهة والتأدب بآدابه في جميع ما جاء به من مكارم الأخلاق ومحاسن الخصال في العسر واليسر والمنشط والمكره والمحنة والنعمة وحال البلاء والرخاء وحال الغضب والرضا .
وهي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي ، وهي الترجمان والشارح للفرائض والأحكام العامة الواردة في كتاب الله تعالى

ومن أجل ذلك لا يمكن الاستغناء عن هذا المصدر لأنه يشكل الشطر الآخر لهذا الدين

وقد جاء الأمر باتباع الكتاب والسنة والسلف الصالح في حديث العرباض ابن سارية - رضي الله تعالى عنه - قال :
" وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - موعظةً وجلت منها القلوب ، وذرفت منها العيون ، فقلنا : يا رسول الله أوصنا ، قال : أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة ، وإن ولي عليكم عبدٌ حبشي ، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ،عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثةٍ بدعة ، وكل بدعة ضلالة " رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح

قال تعالى :" لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ " (آل عمران:164) .
قال الحسن بن علي رضي الله عنه : " الكتاب القرآن والحكمة والسنة " .

ولذلك فإن كلَّ عمل يُتقرَّبه العبد إلى الله لا يكون مقبولاً عند الله إلاَّ إذا توفَّر فيه شرطان :

أحدهما : تجريد الإخلاص لله وحده، وهو مقتضى شهادة أن لا إله إلاَّ الله.

والثاني : تجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو مقتضى شهادة أنَّ محمداً رسول الله
قال الفضيل بن عياض : كما في مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية في قوله تعالى : { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } أخلصُه وأصوَبُه ،
قال : فإنَّ العملَ إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل ، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يُقبل ، حتى يكون خالصاً صواباً ، والخالص أن يكون لله ، والصواب أن يكون على السنَّة .


أقوال الصحابة والسلف الصالح عن أهمية السنة :


- قال ابن عباس رضي الله عنه عند قوله تعالى :{ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } (آل عمران: من الآية106) .
فأما الذين ابيضت وجوههم فأهل السنة والجماعة وألو العلم وأما الذين اسودت وجوههم فأهل البدع والضلالة .


- قال الحسن البصري رحمه الله : " ابن آدم لا تغتر بقول من يقول المرء مع من أحب إنه من أحب قوماً اتبع آثارهم ولن تلحق بالأبرار حتى تتبع آثارهم وتأخذ بهديهم وتقتدي بسنتهم وتصبح وتمشي وأنت على منهاجهم ..." رحمه الله .

يقول الأوزعي رحمه الله : " ندور مع السنة حيث دارت " .
- قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : " إنا نقتدي ولا نبتدي ونتبع ولا نبتدع ، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر " .

- قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : " السنة مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ".


أهمية التمسك بالسنة النبوية :


1- أن السنة مصدر من مصادر التشريع لأنها وحي من الله تعالى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه.. رواه أحمدولذا كان جاحدها ومنكرها كافرا كفرا مخرجا من الملة.

2- السنة شارحة للقرآن ومبينة له، قال شيخ الإسلام في الواسطية: فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه.
وقال في مجموع الفتاوى: فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له؛

3- أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على التمسك بالسنة ورغب فيها لاسيما وقت الفتن والاختلاف، فقال: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ.. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
4- أن التمسك بالسنة والحرص عليها -وليس مجرد الادعاء والكلام والعاطفة- هو الدليل الحقيقي على كمال محبة النبي صلى الله عليه وسلم، فكم من إنسان يدعي كمال محبة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخالف سنته صباحا مساء ويرتكب ما يبغضه النبي صلى الله عليه وسلم ويبغض فاعله، فتجد مثلا بعض الناس يعلق على سيارته عبارة جميلة كدليل على محبة النبي صلى الله عليه وسلم: كلنا فداك يا رسول الله.ومع ذلك هو آكل للربا أو عاق لوالديه أو مضيع للصلوات، ولأمثال هؤلاء يقال :



تعصي النبي وأنت تزعم حبه ****هذا لعمرك في القياس شنيع.
لو كان حبك صادقا لأطعته ****إن المحب لمن يحب مطيع.


التمسك بالسنة سبب للنجاة وعصمة من الوقوع في الضلال؛ كما قال مالك رحمه الله: السنة كسفينة نوح من ركبها فقد جا، ومن تخلف عنها غرق.
وقال الإمام الزهري: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة،


عقوبة تارك السنة :



عقوبة من لم يعظم السنة أو استهزاء بشيء منها ، فتعلمون قصة الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم : " كل بيمينك " قال : لا أستطيع .


قال له المصطفى عليه الصلاة والسلام : " لا استطعت ، ما منعه إلاّ الكبر " قال : فما رفعها إلى فيه ".
رواه الطبراني في المعجم الكبير =عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده لتدخلن الجنة كلكم إلا من أبى وشرد على الله كشراد البعير . قالوا : يا رسول الله ومن يأبى أن يدخل الجنة ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى ".


واجبنا نحو السنة النبوية :


1 – العمل على نشر السنة النبوية من خلال – الكتب ومجال الانترنت والقنوات الفضائية والمساجد والمجالس الاجتماعية .


2- دراسة السيرة النبوية من جميع جوانبها .

- دراسة شمائلة وأخلاقه عليه الصلاة والسلام .

- دراسة تعامله مع خالقه وأهل بيته وأسرته .- دراسة تعامله مع الرجال والنساء ، والكبار والصغار، والضعفاء والأقوياء .- دراسة تعامله مع غير المسلمين في حالتي السلم والحرب .


3– حفظها وحمايتها من التبديل والتغيير و الاجتهاد في تنقيتها من الكذب وتمييز صحيحها من ضعيفها .
4– أن تتلقى السنة من مصادرها الأصلية وبتوجيه أهل العلم المختصين بها والموثوقين بهم، لقوله تعالى : { فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (الأنبياء 7) وذلك من أجل أخذ الصحيح منها وترك الضعيف

نصيحة إلى كل مبتدع تارك للسنة غير متبع :

لنحكم سنة النبي صلى الله عليه وسلم في حياتنا ..
ولا نتعصب لمذهب مذموم.. أو بدعة محدثة.. أو قول كائن من كان... فالرجال يُعرفون بالحق وليس الحق يعرف بالرجال؛ فمن الذي تؤمن عليه الفتنة .
يقول ابن مسعود رضي الله عنه : " ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً إن آمن آمن وإن كفر كفر فإنه لا أسوة في الشر ، ولا يكن قول أحدنا إذا سمع سنة ثبتت عن المصطفى صلى الله عليه وسلم ما سمعنا بهذا .. وما عرفناه من آبائنا ولا ذكره أجدادنا ".
قال تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ } (البقرة:170) .
إن الدين قد تمّ وكمل { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } (المائدة: من الآية3) .

فمن يأتي ليضيف إليه شيء فكأنما يحدث بلسان حاله فيقول : إن الله أبقى في الدين نقصاً وأريد أن أتممه .
إن شرعة الله ومنهاجه ليس شركة أو مساهمة يدلي كل فيها بدلوه . ويخرص فيها بهرائه وافترائه وكذبه . إنها ملة قويمة .. وأصول ثابتة .. وأحكام عادلة .
" ومن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ".
قال الشافعي : " اجمع المسلمون على أن من استبان له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل له أن يدعها لقول أحد ".انتهى
ولا يكون حب الرسول صلى اله عليه وسلم مجرد كلمات تقال أو شعارات ترفع فنجد من يعلق في بيته أو يضع شعارا في جواله عبارة فداك أبي وأمي يا رسول الله , ونجده بعيدا تماما عن حسن الاتباع والاقتداء والالتزام بما أمر به الرسول أو اجتناب ما نهى عنه
إن الدفاع عن السنة والتمسك بها يكون بحسن الاتباع والاقتداء بأثره وهديه صلى الله عليه وسلم
والبعد كل البعد عما نهى عنه وعن الابتداع في دين الله عز وجل أو نسب طرق جديدة من العبادات له دون علم
وفي الختام أسال الله لي ولكم حسن الاتباع والقبول وأن يتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال وأن يحشرنا مع خير الأنام صلى الله عليه وسلم








فضل العبادة في زمن الفتن:


فضل العبادة في زمن الفتن:




لقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن العبادة في زمن الهَرْج لها أجر عظيم، وثواب جزيل من الله تعالى أحكم الحاكمين؛ فيجب علينا أن نستبصر بكلامه - صلى الله عليه وسلم - ونستهدي بهَدْيه - صلى الله عليه وسلم - لنكونَ من الفائزين في الدنيا، الناجين الرابحين في الآخرة.
أخرج مسلمٌ وابن مَاجَهْ عن مَعْقِل بن يَسَار - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((العبادة في الهَرْج كهجرة إليَّ)).
وأخرج أحمد والطبراني في الكبير عن مَعْقِل بن يَسَار - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((العمل في الهَرْج كهجرةٍ إليَّ)).
وأخرج أحمد والطبراني في الكبير عن مَعْقِل بن يَسَار - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((العبادة في الفتنة كهجرة إليَّ)).



ما المقصود بالهَرْج؟

قال ابن مَنْظور في "لسان العرب":
"الهرج: الاختلاط؛ هرج الناس يَهْرِجون، بالكسر، هَرْجًا من الاختلاط؛ أي اختلطوا.
وأصل الهَرْج: الكثرة في المشي والاتساع.
والهَرْج: الفتنة في آخر الزمان، والهَرْج: شدة القتل وكثرته؛ وفي الحديث: ((بين يَدَيِ الساعة هَرْج))؛ أي: قتال واختلاط.


قال الإمام النَّوَوِي في شرح مسلم (18/88):
"قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((العبادة في الهَرْج كهجرة إليَّ)).
المراد بالهَرْج هنا: الفتنة، واختلاط أمور الناس.
وسبب كثرة فضل العبادة فيه: أن الناس يَغْفُلون عنها ويَشْتَغلون عنها، ولا يتفرَّغ لها إلا أفراد".


وقال الطَّحَاوِي في "شرح مشكل الآثار" (15/250):
"فوجدنا الهَرْج إذا كان شُغل أهلِه في غيره، مما هو أَوْلى بهم من عبادة ربهم - عز وجل - ولزوم الأحوال المحمودة التي يجب عليهم لزومها، فكان مَن تشاغَل في العبادة في تلك الحال متشاغلاً بما أمر بالتشاغل به، تاركًا لما قد تشاغل به غيرُه من الهَرْج المذموم، الذي قد نُهِي عن الدخول فيه والكونِ من أهله، فكان بذلك مستحقًّا للثواب الذي ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث" انتهى.
وقال ابن حَجَر في فتح الباري (13/75):
"قال القرطبي: إن الفتن والمشقَّة البالغة، ستقع حتى يَخِفَّ أمر الدين، ويَقِلَّ الاعتناء بأمره، ولا يَبْقَى لأحد اعتناء إلا بأمر دنياه ومعاشِه نفسِه، وما يتعلق به؛ ومن ثَمَّ عَظُم قدرُ العبادة أيام الفتنة".
وفي كتاب تطريز رياض الصالحين (1/747):
"قال القرطبي: المتمسك في ذلك الوقت، والمنقطع إليها، المنعزل عن الناس، أجرُه كأجر المهاجر إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأنه ناسبه من حيث إن المهاجر فرَّ بدينه ممن يصده عنه للاعتصام بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وكذا هذا المنقطع للعبادة فرَّ من الناس بدينه إلى الاعتصام بعبادة ربه، فهو في الحقيقة قد هاجر إلى ربه، وفرَّ من جميع خلقه".


وقال المُنَاوِي في فيض القدير (4/373):
"قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((العبادة في الهرج))؛ أي: وقت الفتن واختلاط الأمور.
((كهجرة إلي)): في كثرة الثواب، أو يقال: المهاجر في الأول كان قليلاً؛ لعدم تمكُّن أكثر الناس من ذلك، فهكذا العابد في الهَرْج قليل.
قال ابن العربي: وجْه تمثيله بالهجرة أن الزمن الأول كان الناس يفرِّون فيه من دار الكفر وأهله، إلى دار الإيمان وأهله، فإذا وقَعَت الفتن تعيَّن على المرء أن يفرَّ بدينِه من الفتنة إلى العبادة، ويَهْجُر أولئك القوم وتلك الحالة، وهو أحد أقسام الهجرة".


وقال ابن الجوزي في "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (2/42):
"الهَرْج: القتال والاختلاط، وإذا عَمَّت الفتن اشتغلت القلوب، وإذا تعبَّد حينئذٍ متعبِّدٌ، دلَّ على قُوَّة اشتغال قلبه بالله - عز وَجل - فيَكْثُر أجره".


وقال الحافظ ابن رجب:
"وسبب ذلك: أن الناس في زمن الفتن يتَّبعون أهواءهم، ولا يرجعون إلى دين؛ فيكون حالهم شبيهًا بحال الجاهلية، فإذا انفرد من بينهم مَن يتمسَّك بدينِه ويعبد ربَّه، ويتَّبع مراضيه، ويجتنب مساخطه، كان بمنزلة مَن هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مؤمنًا به، متبعًا لأوامره، مجتنبًا لنواهيه" انتهى.
﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 99].




قذائف الحق

قذائف الحق
محاضرة قيمة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد





حقيقة التوحيد

حقيقة التوحيد




      التوحيد الذي هو دعوة جميعِ الرسلِ ، أصلُ مادتِهِ يدلُ على الإفراد ، ولا يتحقق إلا بنفي تامٍ وإثباتٍ تام .

فالنفيُ التامُّ: يكون بنفي الحكمِ الذي خُصَّ به الموحَد ، يُنفى عمَّا سواه .

والإثباتُ التامُّ: يكون بإثباتِ الحكمِ الذي خُصَّ به الموحَد ، فَيُثْبَتُ له وحده .

    والتوحيد شرعاً: اعتقادٌ جازمٌ أنَّ الله تعالى واحدٌ في ربوبيته ، واحدٌ في أُلوهيته ، واحدٌ في أسمائه وصفاتِهِ ،

وهذا ما تضمنته كلمةُ (( لا إله إلا الله )) ، ومعناها : لا معبود بحقٍّ إلا الله ، فهي نفيٌ لكلِّ ما عُبِدَ بغيرِ حقٍّ دونَ

الله تعالى ، وذلك أنَّ كلَّ ما يُعْبَدُ دونه سبحانه فعبادتُهُ باطلةُ ، لكونها صُرِفَتْ إلى غير من تفردَ باستحقاقِ العبادة

، وهو الله وحده ، وهذه الكلمةُ إثباتٌ للعبادةِ لله وحده ، ولذا سُميت : ((كلمة التوحيد)) .

    وعلم التوحيد : يبحثُ في ربوبية الله تعالى ، وأُلُوهيته ، وما يجبُ على العبدِ تُجاهه ، من إفراده بالعبادة ،

وكذا أنواع الشرك ، وخطره ، والتحذير منه ، وما يجب على العبد من إثباتِ ما أثبته الله U لنفسه ، من أسماء



 وصفات ، وما أثبته رسولُه e ، وما يتعلق ببقيةِ أركانِ الإيمان ، وهي الإيمان بالملائكة ، والكتب ، والرسل ،

واليوم الآخر ، والقضاء والقدر ، والرد على الفرق المخالفة في ذلك .

    ويلحظ النَّاظرُ في هذه المفردات أنَّها ليست قاصرةً على إثباتِ وحدانيةِ الله تعالى ، وهذا صحيح ، ولكن

 توحيده سبحانه لما كان أهم موضوعاتِ هذا العلم ، وجزءه الذي لا يتم ولا يصح ولا يُقبل إلا به أُطلق على

الكلِّ اسمُ الجزء ، إظهاراً لأهميته ، وأنَّه سبب قيام الكل ، وسر وجوده ، ومادة صلاحه ، ومرجع كلِّ موضوعاته

، لأنَّه إذا صلح التوحيد تتابعت البقيةُ في الصلاح ، لذلك كان التوحيدُ دعوةَ جميع الرسل ، قال الله تعالى

 ] ولقد بعثنا في كلِّ أُمَّةٍ رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت [ وقال عزَّ مِن قائل ] وما أرسلنا من قبلك من

 رسولٍ إلا نوحي إليه أنَّه لا إله إلا أنا فاعبدون [ .

أهمية التوحيد




عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) أخرجه البخاري ومسلم.
قال النووي رحمه الله تعالى: (هذا حديث عظيم جليل الموقع، وهو أجمع - أو من أجمع- الأحاديث المشتملة على العقائد، فإنه صلى الله عليه وسلم جمع فيه ما يُخرج عن ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدها، فاقتصر صلى الله عليه وسلم في هذه الأحرف على ما يباين به جميعهم).
ففي هذا لحديث عدة وقفات، أو جزها فيما يلي:
الوقفة الأولى: قوله صلى الله عليه وسلم : (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له..)، هذه كلمة عظيمة فاصلة بين الإيمان والكفر، لها مدلولها العظيم ومعناها الكبير، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : (من شهد أن لا إله إلا الله)، قال العلماء رحمهم الله تعالى: أي من تكلم بهذه الكلمة عارفا لمعناها، عاملاً بمقتضاها باطنا وظاهراً كما دلّ على ذلك قوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله)، وقوله جل وعلا: (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون)، أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا عمل بمقتضاها، فإن ذلك غير نافع بالإجماع.
ومعنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا إله واحد، وهو الله وحده لا شريك له، يدل عليه قوله تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)، وقوله تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت).
فنفهم من هذا أنه لا إله معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى، فهو المتفرد بالألوهية كما تفرد سبحانه بالخلق والرزق، والإحياء والإماتة، والإيجاد والإعدام، والنفع والضر، والإعزاز والإذلال، والهداية والإضلال، وغير ذلك من معاني ربوبيته، ولم يشركه أحد في خلق المخلوقات ولا في التصرف في شيء منها، وتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى، ولم يتصف بها غيره ولم يشبهه شيء فيها، فكذلك تفرده سبحانه بالإلهية حقاً فلا شريك له فيها، يقول سبحانه وتعالى: (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير)، ويقول جل وعلى: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بمن خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون * عالم الغيب والشهادة فتعالى الله عما يشركون)، ويقول جل من قائل: (قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً * سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيرا * تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفورا)، ويقول جل وعلا: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم)، وقال سبحانه: (إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم)، ويقول جل من قائل: (قل من رب السموات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار)... إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تدل دلالة صريحة أو ضمنية على أن لا إله معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى، فكما تفرد سبحانه بالربوبية والخلق والرزق وغيرها، وكما تفرد سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، تفرد جل وعلا بالعبودية، فلا يجوز بأي حال عبادة أحد سواه.
الوقفة الثانية: لا يؤدي العبد حق هذه الشهادة إلا بأن يحقق شروطها، التي نظمها بعضهم بقوله:
وبشروط سبعة قيدت
فإنه لم ينتفع قائلها
العلم، واليقين والقبول
والصدق والإخلاص والمحبة
 

وفي نصوص الوحي حقا وردت
بالنطق إلا حيث يستكملها
والإنقياد، فادر ما أقول
وفقك الله لما أحبه

 
والمراد أنه لا ينتفع الذي ينطق الشهادة بمجرد النطق بها في الدنيا والآخرة، وإنما لا بد من تحقيق شروطها السبعة، وهي كالتالي:
1- العلم، والمقصود به: العلم بمعناها المراد منها نفياً وإثباتا، العلم المنافي للجهل، كما قال سبحانه وتعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله).
وروى مسلم في صحيحه عن عثمان -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة).
فنفهم من هذا أنه لا بد من العلم بما تدلّ عليه، أما الذي ينطقها جاهلاً بها وبمعناها، فهذا لا يستفيد من هذا النطق.
2- اليقين، والمراد به: أن يكون قائل الشهادة مستيقناً بمدلولها يقيناً جازما منافياً للشك، يقول الله عز وجل: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون).
وجاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بها عبدٌ غير شاك فيهما فيحجب عن الجنة).
فاشترط صلى الله عليه وسلم في دخول قائلها الجنة أن يكون قالها غير شاك بها مستيقنا بها قلبه.
3- القبول، والمراد بذلك أن يقبلها بقلبه ولسانه، والآيات في هذا كثيرة، كلها تدل على أنه لا يستفيد منها إلا من قبلها، من ذلك قوله تعالى: (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون * قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون * فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين).
4-الانقياد لما دلت عليه، قال تعالى: (ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن)، وقال سبحانه: (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى)، ومعنى (يسلم وجهه أي: ينقاد وهو محسن موحد، ومن لم يسلم وجهه لله فإنه لم يستمسك بالعروة الوثقى.
وفي هذا الحديث الصحيح: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)، وهذا هو تمام الانقياد.
5- الصدق، المنافي للكذب، وذلك بأن يقولها صادقاً من قلبه، يواطئ قلبه لسانه، يقول الله تعالى في ذلك: (الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين). وقال تعالى: في شأن المنافقين: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين * يخادعون الله الذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون * في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون).
وجاء في الصحيح من حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار).
فاشترط في إنجاء من قال هذه الكلمة من النار أن يقولها صدقاً من قلبه، فلا ينفعه مجرد التلفظ بدون مواطأة القلب.
6- الإخلاص، وهو تصفية العمل الصالح بالنية عن جميع شوائب الشرك، يقول تعالى: (ألا لله الدين الخالص)، ويقول سبحانه: (فاعبد الله مخلصاً له الدين).
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم : (أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه).
وفي الحديث الصحيح أيضاً عن عتبان بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله).
7- المحبة: والمراد بذلك المحبة لهذه الكلمة ولما اقتضته ودلت عليه ولأهلها العاملين بها الملتزمين بشروطها وبُغْض ما ناقض ذلك، يقول الله عز وجل: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله)، ويقول سبحانه: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان...).
وجاء في الحديث الصحيح عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار).


سنة متروكة يجب إحياؤها

سنة متروكة يجب إحياؤها



قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة - الأحاديث رقم (31 - 32):

استفاضت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بإقامة الصفوف وتسويتها ، بحيث يندر أن تخفى على أحد من طلاب العلم فضلاً عن الشيوخ ، ولكن ربما يخفى على الكثيرين منهم أن إقامة الصف تسويته بالأقدام ، وليس فقط بالمناكب ، بل لقد سمعنا مراراً من بعض أئمة المساجد – حين يأمرون بالتسوية – التنبيه على أن السنة فيها إنما هي بالمناكب فقط دون الأقدام ، ولما كان ذلك خلاف الثابت في السنة الصحيحة ، رأيت أنه لا بد من ذكر ماورد من الحديث ، تذكيراً لمن أراد أن يعمل بما صح من السنة ، غير مغتر بالعادات والتقاليد الفاشية في الأمة.
فأقول : لقد صح في ذلك حديثان:
الأول : من حديث أنس.
والآخر : من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما .
أما حديث أنس فهو:
31- (أَقِيمُوا صُفُوفَكُم ْ وتراصوا فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي).
رواه البخاري ،وأحمد من طرق عن حميد الطويل : ثنا أنس بن مالك قال : (أقيمت الصلاة ، فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه ، فقال : (فذكره).
زاد البخاري في رواية : (قبل أن يكبر) ، وزاد أيضا في آخره : (وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه ، وقدمه بقدمه).
وهي عند المخلص ، وكذا ابن ابي شيبة بلفظ : (قال أنس : فلقد رأيت احدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه ، فلو ذهبت تفعل هذا اليوم ، لنفر أحدكم كأنه بغل شموس).
وترجم البخاري لهذا الحديث بقوله (باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف).
وأما حديث النعمان فهو:
32- (أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ [ثَلَاثًا] وَاللَّهِ لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ).
وفي هذين الحديثين فوائد هامة:
الأولى : وجوب إقامة الصفوف وتسويتها والتراص فيها ، للأمر بذلك ، والأصل فيه الوجوب ، إلا لقرينة ، كما هو مقرر في الأصول ، والقرينة هنا تؤكد الوجوب ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم (أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) ، فإن مثل هذا التهديد لا يقال فيما ليس بواجب ، كما لا يخفى.
الثانية : أن التسوية المذكورة إنما تكون بلصق المنكب بالمنكب ، وحافة القدم بالقدم ، لأن هذا هو الذي فعله الصحابة رضي الله عنهم حين أمروا بإقامة الصفوف ، والتراص فيها ، ولهذا قال الحافظ في (الفتح) بعد أن ساق الزيادة التي أوردتها في الحديث الأول من قول أنس:
(وأفاد هذا التصريح أن الفعل المذكور كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وبهذا يتم الاحتجاج به على بيان المراد بإقامة الصف وتسويته).
ومن المؤسف أن هذه السنة من التسوية قد تهاون بها المسلمون ، بل أضاعوها ، إلا القليل منهم ، فإني لم أرها عند طائفة منهم إلا أهل الحديث ، فإني رأيتهم في مكة سنة (1368هـ) حريصين على التمسك بها كغيرها من سنن المصطفى عليه الصلاة والسلام ، بخلاف غيرهم من أتباع المذاهب الأربعة – لا أستثني منهم حتى الحنابلة – فقد صارت هذه السنة عندهم نسياً منسياً ، بل إنهم تتابعوا على هجرها والإعراض عنها ، ذلك لأن أكثر مذاهبهم نصت على أن السنة في القيام التفريج بين القدمين بقدر أربع أصابع ، فإن زاد كره ، كما جاء مفصلاً في (الفقه على المذاهب الأربعة)(1\ 207) ، والتقدير المذكور لا أصل له في السنة ، وإنما هو مجرد رأي ، ولو صح لوجب تقييده بالإمام والمنفرد حتى لا يعارض به هذه السنة الصحيحة ، كما تقتضيه القواعد الأصولية.
وخلاصة القول : إنني أهيب بالمسلمين – وبخاصة أئمة المساجد – الحريصين على اتباعه صلى الله عليه وسلم ، واكتساب فضلية إحياء سنته صلى الله عليه وسلم ، أن يعملوا بهذه السنة ، ويحرصوا عليها ، ويدعوا الناس إليها ، حتى يجتمعوا عليها جميعاً ، وبذلك ينجون من تهديد : (أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ).
وأزيد في هذه الطبعة فأقول:
لقد بلغني عن أحد الدعاة أنه يهون من شأن هذه السنة العملية التي جرى عليها الصحابة ، وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم عليها ، ويلمح إلى أنه لم يكن من تعليمه صلى الله عليه وسلم إياهم ، ولم ينتبه – والله أعلم – إلى ذلك فهم منهم أولاً ، وأنه صلى الله عليه وسلم قد أقرهم عليه ثانياً ، وذلك كاف عند أهل السنة في إثبات شرعية ذلك ، لأن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ، وهم القوم لا يشقى متبع سبيلهم.
الثالثة : في الحديث الأول معجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهي رؤيته صلى الله عليه وسلم من ورائه ، ولكن ينبغي أن يعلم أنها خاصة في حالة كونه صلى الله عليه وسلم في الصلاة ، إذ لم يرد في شئ من السنة أنه كان يرى كذلك خارج الصلاة أيضاً ، والله أعلم.
الرابعة : في الحديثين دليل واضح على أمر لا يعلمه كثير من الناس ، وأن كان صار معروفاً في علم النفس ، وهو أن فساد الظاهر يؤثر في فساد الباطن ، والعكس بالعكس ، وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة ، لعلنا نتعرض لجمعها وتخريجها في مناسبة أخرى إن شاء الله تعالى .
الخامسة : أن شروع الإمام في تكبيرة الإحرام عند قول المؤذن : (قد قامت الصلاة) بدعة ، لمخالفتها للسنة الصحيحة ، كما يدل على ذلك هذان الحديثان ، لا سيما الأول منهما ، فإنهما يفيدان أن على الإمام بعد إقامة الصلاة واجباً ينبغي عليه القيام به ، وهو أمر الناس بالتسوية ، مذكراً لهم بها ، فإنه مسؤول عنهم : (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ .........).




السفر الذي يجيز القصر محمد ناصر الدين الألباني

السفر الذي يجيز القصر



قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة - الحديث رقم (163):

163- (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ [شَكَّ شُعْبَةُ] ، قصر الصلاة ، [وفي رواية : صَلِّي رَكْعَتَيْنِ]).
الفرسخ : ثلاثة أميال ، والميل من الأرض منتهى مد البصر ، لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه ، وبذلك جزم الجوهري ، وقيل : حده أن ينظر إلى الشخص في أرض مسطحة فلا يدري أهو رجل أو امرأة ، وهو ذاهب أو آت ، كما في الفتح ، وهو في تقدير بعض علماء العصر الحاضر يساوي 1680م.
وهذا الحديث يدل على أن المسافر إذا سافر مسافة ثلاثة فراسخ (والفرسخ نحو ثمان كيلو مترات) ، جاز له القصر ، وقد قال الخطابي في معالم السنن : (إن ثبت الحديث كانت الثلاثة الفراسخ حداً فيما يقصر إليه الصلاة ، إلا أني لا أعرف أحداً من الفقهاء يقول به).
وفي هذا الكلام نظر من وجوه:
الأول : أن الحديث ثابت ، وحسبك أن مسلماً أخرجه ولم يضعفه غيره.
الثاني : أنه لا يضر الحديث ولا يمنع العمل به عدم العلم بمن قال به من الفقهاء ، لأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود.
الثالث : أنه قد قال به راويه أنس بن مالك رضي الله عنه وأفتى به يحيى بن يزيد الهنائي راويه عنه كما تقدم ، بل ثبت عن بعض الصحابة القصر في أقل من هذه المسافة ، فروى ابن أبي شيبة عن محمد بن زيد بن خليدة عن ابن عمر قال : (تقصر الصلاة في مسيرة ثلاثة أميال) ، وإسناده صحيح كما في إرواء الغليل.
ثم روى من طريق أخرى عنه أنه قال : (إني لأسافر الساعة من النهار وأقصر) . وإسناده صحيح ، وصححه الحافظ في الفتح.
ثم روى عنه : (أنه كان يقيم بمكة ، فإذا خرج إلى منى قصر) ، وإسناده صحيح أيضاً.
ويؤيده أن أهل مكة لما خرجوا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى منى في حجة الوداع ، قصروا أيضاً ، كما هو معروف مشهور في كتب الحديث والسيرة ، وبين مكة ومنى فرسخ ، كما في (معجم البلدان).
قال جبلة بن سحيم : سمعت ابن عمر يقول : (لو خرجت ميلاً قصرت الصلاة) ، ذكره الحافظ وصححه.
ولا ينافي هذا ما في الموطأ وغيره بأسانيد صحيحة عن ابن عمر أنه كان يقصر في مسافة أكثر مما تقدم ، لأن ذلك فعل منه ، لاينفي القصر في أقل منها لو سافر إليها ، فهذه النصوص التي ذكرناها صريحة في جواز القصر في أقل منها ، فلا يجوز ردها ، مع دلالة الحديث على الأقل منها.
وقد قال الحافظ في الفتح : (وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه ، وقد حمله من خالفه على أن المراد به المسافة التي يبتدأ منها القصر لا غاية السفر ، ولا يخفى بعد هذا الحمل ، مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد قال " سألت أنسا عن قصر الصلاة وكنت أخرج إلى الكوفة - يعني من البصرة - أصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع ، فقال أنس فذكر الحديث ، فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر لا عن الموضع الذي يبتدأ القصر منه . ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا يتقيد بمسافة بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منها ، ورده القرطبي بأنه مشكوك فيه فلا يحتج به فأن كان المردود به أنه لا يحتج به في التحديد بثلاثة أميال فمسلم لكن لا يمتنع أن يحتج به في التحديد بثلاثة فراسخ ، فإن الثلاثة أميال مندرجة فيها فيؤخذ بالأكثر احتياطا ، وقد روى ابن أبي شيبة عن حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن ابن حرملة قال " قلت لسعيد بن المسيب : أأقصر الصلاة وأفطر في بريد من المدينة ؟ قال : نعم" والله أعلم).
قلت : وإسناد هذا الأثر عند ابن أبي شيبة صحيح.
وروى عن اللجلاج قال : (كنا نسافر مع عمر رضي الله عنه ثلاثة أميال ، فنتجوز في الصلاة ونفطر) ، وإسناده محتمل للتحسين ، رجاله كلهم ثقات ، غير أبي الورد بن ثمامة ، روى عنه ثلاثة وقال ابن سعد : (كان معروفاً قليل الحديث).
وقد دلت هذه الآثار على جواز القصر في أقل من المسافة التي دل عليها الحديث ، وذلك من فقه الصحابة رضي الله عنهم ، فإن السفر مطلق في كتاب الله والسنة ، لم يقيد بمسافة محدودة ، كقوله تعالى : (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) النساء 101 ، وحينئذ ، فلا تعارض بين الحديث وهذه الآثار ، لأنه لم ينف جواز القصر في أقل من المسافة المذكورة فيه ، ولذلك قال العلامة ابن القيم في زاد المعاد : (ولم يحدَّ صلى الله عليه وسلم لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر، بل أطلق لهم ذلك في مُطلق السفر والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمم في كل سفر، وأما ما يُروى عنه من التحديد باليوم، أو اليومين، أو الثلاثة، فلم يصح عنه منها شيء البتة، واللّه أعلم).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : (كل اسم ليس له حد في اللغة ولا في الشرع ، فالمرجع فيه إلى العرف ، فما كان سفراً في عرف الناس ، فهو السفر الذي علق به الشارع الحكم).
وقد اختلف العلماء في المسافة التي تقصر فيها الصلاة اختلافاً كثيراً جداً ، على نحو عشرين قولاً ، وما ذكرناه عن ابن تيمية وابن القيم أقربها إلى الصواب ، وأليق بيسر الإسلام فإن تكليف الناس بالقصر في سفر محدود بيوم أو بثلاثة أيام وغيرها من التحديدات ، يستلزم تكليفهم بمعرفة مسافات الطرق التي قد يطرقونها ، وهذ مما لا يستطيعه أكثر الناس ، لا سيما إذا كانت مما لم تطرق من قبل .
وفي الحديث فائدة أخرى ، وهي أن القصر مبدؤه من بعد الخروج من البلدة ، وهو مذهب الجمهور من العلماء كما في نيل الأوطار قال : (وذهب بعض الكوفيين إلى أنه إذا أراد السفر يصلي ركعتين ولو كان في منزله ومنهم من قال إذا ركب قصر إن شاء‏.‏ ورجح ابن المنذر الأول بأنهم اتفقوا على أنه يقصر إذا فارق البيوت واختلفوا فيما قبل ذلك فعليه الإتمام على أصل ما كان عليه حتى يثبت أن له القصر) ، قال ‏:‏ (ولا أعلم أن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم قصر في سفر من أسفاره إلا بعد خروجه من المدينة)‏.‏
قلت : والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ، وقد خرجت طائفة منها في الإرواء من حديث أنس وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم.





الوسواس وسبيل الخلاص منه

الوسواس وسبيل الخلاص منه





هناك مقدمتان مهمتان في سبيل الخلاص من الوساوس والخطرات التي إنما هي نزغات من نزغات الشيطان ومكائده .
المقدمة الأولى : مقدمة علمية ( الخطوة الأولى في العلاج )
المقدمة الثانية : مقدمة تطبيقية ( الخطوة العملية في العلاج ) .
المقدمة الأولى : تتلخص في نقاط :
1 - : حياة القلب ومادّته . فإن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه ، وموته وظلمته مادة كل شر فيه .
وإن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بـ :
- إدراكه للحق . لأن الجهل بوابة الفساد والعطب ، فحين لا يدرك الحق فإنه حتما سيحويه الباطل ولابد .
- إرادته له . فإنه حين يدرك الحق ويعلمه لكنه غير مريد له فأنى له أن يحيا ؟!
- إيثاره على غيره . وحين يدركه ويريده لكنه يؤثر هواه ونفسه الأمارة بالسوء على هذا الحق فإنه كالمتخبط في ظلمات التيه !!
فصار مدار ذلك كله ومرجعه إلى الحق الذي هو الروح ، ولن يجد القلب له أماناً ولا قرارا ولا اطمئناناً إلا حين تسري فيه الروح ، وأعني بالروح روح الوحي الذي قال الله تعالى فيه : " وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ " سورة الشورى .
فأخبر تعالى أن هذا القرآن إنما هو الروح والنور والهدى ، وكل هذا - أعني الروح والنور والهدى - مادة الحياة الحقيقية وآية السعادة والإطمئنان .
عُلم من هذا أن شفاء القلب وصلاحه وحياته إنما يكون من معين القرآن ومن منبع الوحي العذب الرويّ .

2 - : فساد القلب وشقاؤه .أمّأ فساد القلب وشقاؤه إنما يكون بـ :
- بالجهل .
- والغفلة .
- واتباع الهوى .
فبقدر هل العبد بربه بقدر ما يشقى القلب ويتعس لبعده عن مادة الحياة .
وحين يبعد القلب عن الله وعن مادة الحياة التي تحييه تتسلط عليه الشياطين بأنواع المكائد والوسوسة ، لأن الشيطان يخنس ويبعد عن القلوب الحية الذاكرة لله جل وتعالى ، ويستقر ويتسلّط على القلوب التي بعدة عن الله جل وتعالى .
وإن أعظم ما يتسلّط به الشيطان على قلوب بني آدم إنما يكون بسلاح ( الوسوسة ) .

3 - : الوسوسة وسلطة الشيطان . والوسوسة : حديث النفس والصوت الخفي .
وهي مكيدة الشيطان ( الوسواس الخناس ) !
فإنه يخلط الأمور ببعضها حتى ما يكاد تبين وجه الحق فيها إلا لمن عصمه الله تعالى من كيده ووسوسته .
إن إدارك تسلّط الشيطان ونزغاته ووساوسه ومعرفة حقيقة الشيطان وطبيعته ليولّد عند المرء وعياً يعينه على إدراك طبيعة النزغات الشيطانية والموقف الصحيح منها .
وإن المتأمل لآيات القرآن يجد شدة عنايته بالتحذير من مكيدة الشيطان وشركه أكثر من تحذيره من النفس والهوى .
لأن شر النفس وفسادها ينشأ من وسوسته فهي مركبه وموضع شره ومحل طاعته .
ويمكن أن نلخص طبيعة عمل الشيطان في إشارات مهمة ينبغي إدراكها :
- وجوده .
قد أخبر الله تعالى بوجود إبليس ، وان وجوده إنما هو وجود فتنة وإضلال لبني آدم .
قال تعالى : " وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ "
وقال في ابليس : " قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ "
- ترصّده .
إن الشيطان أحرص ما يكون على الإنسان عندما يهمّ بالخير أو يدخل فيه فهو يشتد عليه حينئذ حتى يقطعه ، في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن شيطانا تفلّت عليّ البارحة فأراد أن يقطع صلاتي " !
وكلما كان العمل أنفع للعبد وأحب إلى الله كان اعتراض الشيطان له أكثر .
جاء في المسند من جديث سبرة بن أبي الفاكة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرافه ، فقعد له بطريق الإسلام فقال : أتسلم وتذر دينك ودين آبائك وأباء آبائك !!
فعصاه فأسلم ، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال : أتهاجر وتذر أرضك وسماءك ؟
وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطِّوَل ، فعصاه وهاجر .
ثم قعد له بطريق الجهاد فقال : تقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويُقسم المال ؟
قال : فعصاه فجاهد " .
فالشيطان للعبد المؤمن بالرصد والمرصاد مصداق قول الله تعالى فيه : " ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ " الأعراف .
- حقيقة سلطانه .
قد أخبر الله تعالى عن إبليس أنه ليس له سلطان على الذين ءامنوا فقال : " إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ "
فنفى جل وتعالى سلطانه عن من اتصف بصفتين :
- الإيمان . ( آمنوا )
- العمل . ( وعلى ربهم يتوكلون ) .
والسلطان سلطان الحجة والبرهان ، وابليس ليس له حجة ولا برهان على مكائده ووسوسته إنما سلطانه بالإغواء والوسوسة .
هذا هو سلطانه كما فسره حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما .
وإنما سلطان إبليس على الذين يتولونه ، قال تعالى : " إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ "
فبيّنت هذه الآية أصناف من يتسلّط عليهم ابليس :
- الذين يتولّونه : باتباع الهوى والاستجابة لداعيه والغفلة عن ذكر الله .
- الذين هم به مشركون : وهم طائفة أشد ضلالا ممن قبلهم .
المقصود أن حقيقة سلطان إبليس إنما هي سلطة إغواء ونزغ لا سلطة حجة وبرهان .
وهذه السلطة سلطة ضعيفة في حقيقتها كما أخبر الله تعالى بقوله : " إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا "
4 - : الشعور بضرورة العلاج . وإدراك أن هذه الوسوسة إنما هي كيد الشيطان ونزغاته .
فإن هذاالإدراك هو بداية الطريق في صدّ هذا الكيد ودفعه ، فإن الإنسان حين لا يدرك أن هذا من كيد الشيطان ووسوسته فإنه لا يزال به حتى يصرعه أسيرا للوسوسة والتزيين والإغواء والإغراء .
5 - الوسواس القهري كمرض ( عقلي أو نفسي ) . هو من الأمراض النفسية العصابية (Neurosis) ، وهو من الأمراض التي تختلف فيها وجهات نظر العلماء المختصين في هذا المجال فبعضهم ينظر له بأنه حالة دفاع لا شعوري ضد الأمراض العقلية ( الذهانية Psychosis ) .
فيما يرى آخرون أنه مرض نفسي عصابي ولا يتحول إلى مرض عقلي إلا إذا كانت الشخصية مهيئة أساساً بالاستعداد للإصابة بالذهان .

* الصفات التي تتصف بها الشخصية المهيئة للإصابة بالوسواس (الشخصية الوسواسية ) : 1 - العناد .
2 - حب الروتين الزائد والتدقيق .
3 - شدة تأنيب الضمير .
4 - شخصية جافة عابسة لا تعطي للنفس فرصة للترفيه والمرونة والخروج بها عن المألوف والروتين المعتاد .
5 - يغيب عنه الشعور بالأمان .
6 - لا يعرف التصرف في الأحداث الطارئة والمفاجئة رغم أن ذكائهم غالباً فوق المتوسط .
7 - كثيرا ما يكون في أعمار المراهقة ما بين 17 - 27 تقريباً .

* أهم صفات هذا الوسواس ( القهري ) : أنه يتميز الوسواس القهري بوجود وساوس معينة في ذهن المريض رغماً عنه، وهي عادة ما تكون غير سارة وملازمة للمريض وتحمل الهم والغم، ورغم قدرة المريض على التعرف عليها وعلى وعيه بأنها تافهة وخاطئة إلا أنه لا يستطيع إيقافها، وكلما حاول مقاومتها تزداد معه أكثر ومن هنا تأتي معاناته العميقة فهو يعلم ويدرك عدم صحة أفكاره ( على العكس من المريض الذهاني الذي يقتنع ويقنع الآخرين بصحة اعتقاده )
ويحاول المريض جاهداً أن يهمل أو يكبت هذه الافكار والرغبات والخيالات أو يحاول أن يعادلها بافكار ورغبات أو احياناً أفعال مضادة.
وهو ما يترتب عليه معاناة نفسية واجتماعية حادة.

* مظاهر الوسواس القهري : يتخذ الوسواس القهري صورا ومظاهر أهمها :
1- وسواس الأفكار . سيطرة فكرة معينة على ذهن المريض وغالباً ما تكون فكرة غير مقبولة .
2 - وساوس الصور . سيطرة صور معينة على ذهن المريض بشكل مستمر أو متكرر وغالباً ما تكون صور عنيفة حوادث سيارات، جثث، قتل، دماء، تعفنات .. ورغم علم المريض بعدم وجودها إلا أنها تطارده في كل الأوقات .
3 - وساوس الاجترار . تسيطر على المريض أسئلة متكررة لا يستطيع الإجابة عنها كسيطرة (خلقنا الله إذن من خلق الله ؟ ) .. وهكذا .
4 - وساوس الاندفاعات . وهي اندفاعات قهرية تسيطر على المريض فيشعر برغبة جامحة أو اندفاع ما نحو القيام بأعمال لا يرض عنها ويحاول مقاومتها إلا أنها تسيطر عليه بإلحاح وقوة، كالقفز من النافذة، أو من السطح العالي أو من البحر ، أو نحو ذلك .
5 - وساوس الطقوس الحركية . وهي من أكثر الأعراض الوسواسية شيوعاً وهي القيام بحركات مستمرة متكررة نتيجة رغبة جامحة تسطير على المريض للقيام بهذه الطقوس ظناً منه أنها ستخلصه من إلحاح أفكاره المسيطرة عليه، فمثلاً قد يعتقد أن يديه ملونة فيبدأ في غسلها بالماء والصابون عدة مرات ويعود ويغسلها مرة أخرى، أو استغراقه لوقت طويل في الحمام ( ليتوضأ للعصر يحتاج ساعة أو أكثر ) .

* أسباب هذا المرض السلوكي . أهل الاختصاص في علم النفس لا يذكرون له سببا جوهرياً معيناً عليه مداره ، لكنهم يتفقون في بعض الأسباب المهمة من مثل :
1 - العامل الوراثي . بعض النسب وصلت إلى 87 % في التوائم المتشابهة . و 47 % في التوائم غير المتشابهة .
2 - بعض الأسباب البيئية . . وهي تتداخل نوعا ما مع العامل الوراثي ، من مثل :
- قسوة الرقابة الذاتية على النفس .
- العلاقات المحدودة للأباء وعدم إتاحة الفرصة للأبناء والحرمان من التعبير والمبالغة في الحرص الشديد .
- افتقاد الأمان النفسي وخاصة بسبب الطلاق العاطفي داخل الأسرة وغياب الحوار والصراحة بين أفراد الأسرة الواحدة.
- الأحقاد والميول العدائية المكبوتة المغذية للشعور بالذنب والخطيئة .
- تأنيب الضمير والصراع النفسي المصاحب لممارسة العادة السرية .
- الأسرة المسيطرة على زمام الأمور في كل كبيرة وصغيرة في حياة الأطفال دون تقدير للطفل وحياته ومفهومه عن ذاته ودون أدنى اعتبار لطفولته البريئة ذات العالم الخاص المليء بالخصوصية .
هذه جملة من الأسباب يشير إليها متخصصوا الطب النفسي في محاولة لاحتواء مثل هذا المرض السلوكي .
المقدمة الثانية : وهي مقدمة عملية تطبيقية في سبيل الخلاص من الوسواس .
وهي مقدمة مرتبطة ارتباطا وثيقا بسابقتها ، وتتلخص هذه المقدمة في نقاط مهمة :

- الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم . وهذه الإستعاذة - أعوذ بالله من الشيطان الرجيم - إنما تبلغ أثرها حين تكون على اعتقاد جازم بمعانيها .
فإن العوذ اللجأ إلى الشيء والإقتراب إليه .
ومن استعاذ بالله اعتصم به ولجأ إليه ، فأي كيد يصله وهو يعتقد اعتقادا جازما أنه معتصم بالله الذي هو رب كل شيء ومليكه .
والله جل وتعالى يقول : " وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "
فهو سميع يسمع استعاذتك فيجيبك .
عليم : يعلم ما تستعيذ منه فيدفعه عنك .
- العلم .فإن العلم يدفع عن المؤمن الشبهة ويكبت الشهوة إلا فيما أحل الله تعالى .
إذا علمنا أن سلطان الشيطان إنما هو سلطان نزغ وإغواء لا سلطان حجة وبرهان وأنه قد يأتي للعبد من هذه الجهة على أن ما يمليه عليه حجة برهان وعلم بل ويفتح له آفاق الدليل من الكتاب والسنة يلبّسها عليه حتى ليحسبها الحيران حقاً وحجة وبرهانا وإنما هي كيد ووسوسة .
فصار طلب العلم والإخلاص فيه سببا من أسباب دفع الوسواس ودحضه .

- المداومة على أذكار الصباح والمساء وخاصة ( المعوذات ) . فإن الذكر هو الحصن الحصين من الشيطان الرجيم .

- قطع الاسترسال . فلا يسترسل المؤمنة أو المؤمنة مع حبائل الشيطان ومكائده وخواطره وهواجسه .
فإن الشيطان كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم يأتي للعبد فيسأله من خلقك فيسترسل معه حتى يقول له : من خلق الله ؟؟!!
وعلاج هذا قطع الاسترسال وعدم الاستجابة لهذا الوسواس سدّا للذريعة وصيانة للنفس من أن يتسلّط عليها الشيطان بوسوسته .

- صحبة الأخيار . فإن في صحبتهم عوناً ورشاداً ونصحا وتوجيهاً ، وتبصيرا وتثبيتاً .
فعض عليهم بالنواجذ ، فإنهم نجوم يهتدى بها ، وفيءٌ في الرمضاء ، ونسيم السحر وعبيره .

- كثرة الدعاء واللجأ إلى الله تعالى ، فإن الله هو الذي يقدّر البلاء وهو الذي يدفعه .

- المجاهدة والمصابرة .
- كثرة قراءة القرآن الكريم مع التدبر وفهم معانيه .

- العلاج الدوائي . ينقسم علاج الوسواس القهري الى قسمين ، علاج دوائي وعلاج نفسي . مع العلم بأن التزواج بين العقاقير الطبية، الأدوية المضادة للوسواس القهري وطرق العلاج النفسية الخاصة بعلاج الوسواس القهري هما أنجح لعلاج اضطراب الوسواس القهري خاصة اذا استطاع المعالج أن يختار الدواء المناسب وبالجرعة المناسبة ،لأن هناك فروقات فردية بين الناس في تقبل العلاج الدوائي وكذلك الجرعة المناسبة لكل فرد على حده.
العلاج النفسي يكمن في المقدمة الأولى ( التشخيص ) . وفي جزء من المقدمة الثانية بالعلاج عن طريق الأوراد والأذكار الشرعية وحصول اليقين بها .
العلاج الدوائي ( المخبري ) . في حال الاضطرار إليه هناك بعض الأدوية يصرفها أطباء النفس لمن يعانون من هذا الوسواس القهري ، من مثل :
- دواء الكلوميبرامين (اسمه التجاري في المملكة العربية السعودية هو الانفافرانيل ) وهو من الأدوية ثلاثية الحلقات المضادة للاكتئاب .وبعد ذلك تم اكتشاف بعض الأدوية المضادة للاكتئاب ولها مفعول جيد على الوسواس القهري، خاصة بعد ظهور الادوية المعروفة بمثبطات إعادة مادة السيروكسات وهي من أهم الادوية الحديثة في علاج الوسواس القهري وقد يحتاج المريض الى جرعات أعلى في علاج الوسواس القهري عنه في علاج الاكتئاب.
- دواء (بروزاك ـ وسبرام) .يعمل على إعادة توازن بعض النواقل العصبية الحيوية في الجهاز العصبي .
على أنه ينبغي عدم استخدام هذه الأدوية إلا عن طريق طبيب مختص في ذلك وبجرعات محددة يحددها الطبيب في ذلك .

اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين وادفع عنّأ كيد الكائدين ونعوذ بعزتك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه .
والحمد لله رب العالمين .







Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More